محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك ليست لغير الزوجين وغير السلطان ، الذي هو سائس أمر المسلمين ، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه . واختلفوا في الزوجين والسلطان ، ومن المأمور بالبعثة في ذلك : الزوجان ، أو السلطان ؟ ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين ، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأمة فيه مختلفة . وإذ كان الأمر على ما وصفنا ، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون مخصوصا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها . وإذ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية ، والأمر بقوله : فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إذ كان مختلفا بينهما هل هما معنيان بالأمر بذلك أم لا ؟ وكان ظاهر الآية قد عمهما ؛ فالواجب من القول إذ كان صحيحا ما وصفنا أن يقال : إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكما من قبله ، لينظر في أمرهما ، وكان لكل واحد منهما ممن بعثه من قبله في ذلك طاقة على صاحبه ولصاحبه عليه ، فتوكيله بذلك من وكل جائز له وعليه ، وإن وكله ببعض ولم يوكله بالجميع ، كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضيا جائزا على ما وكله به وذلك أن يوكله أحدهما بما له دون ما عليه ، أو لم يوكل كل واحد من الزوجين بما له وعليه ، أو بما له ، أو بما عليه ، فليس للحكمين كليهما إلا ما اجتمعا عليه دون ما انفرد به أحدهما . وإن لم يوكلهما واحدا منها بشيء ، وإنما بعثاهما للنظر ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما ، لم يكن لهما أن يحدثا بينهما شيئا غير ذلك من طلاق أو أخذ مال أو غير ذلك ، ولم يلزم الزوجين ولا واحدا منهما شيء من ذلك . فإن قال قائل : وما معنى الحكمين إذ كان الأمر على ما وصفت ؟ قيل : قد اختلف في ذلك ، فقال بعضهم : معنى الحكم : النظر العدل ، كما قال الضحاك بن مزاحم في الخبر الذي ذكرناه ، الذي : حدثنا به يحيى بن أبي طالب ، عن يزيد ، عن جويبر ، عنه الضحاك : لا ، أنتما الحكمين قاضيان تقضيان بينهما . على السبيل التي بينا من قوله . وقال آخرون : معنى ذلك : أنهما القاضيان يقضيان بينهما ما فوض إليهما الزوجان . وأي الأمرين كان فليس لهما ولا لواحد منهما الحكم بينهما بالفرقة ، ولا بأخذ مال إلا برضا المحكوم عليه بذلك ، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله ، وذلك ما لزم الرجل لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف إن كان هو الظالم لها . فأما غير ذلك فليس ذلك لهما ولا لأحد من الناس غيرهما ، لا السلطان ، ولا غيره ؛ وذلك أن الزوج إن كان هو الظالم للمرأة فللإمام السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق ، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها الناشزة عليه ، فقد أباح الله له أخذ الفدية منها وجعل إليه طلاقها على ما قد بيناه في سورة البقرة . وإذ كان الأمر كذلك لم يكن لأحد الفرقة بين رجل وامرأة بغير رضا الزوج ، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه ، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس . وإن بعث الحكمين السلطان ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك ، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضا المرأة ؛ يدل على ذلك ما قد بيناه قبل من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك ، والقائلين بقوله ، ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين ، ويتعرفا الظالم منهما من المظلوم ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما . وإنما قلنا : ليس لهما التفريق للعلة التي ذكرناها آنفا ، وإنما يبعث السلطان الحكمين إذا بعثهما إذا ارتفع إليه الزوجان ، فشكاكل واحد منهما صاحبه ، وأشكل عليه المحق منهما من المبطل ، لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل ، فلا وجه لبعثة الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما يعني بقوله جل ثناؤه : إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً إن يرد الحكمان إصلاحا بين الرجل والمرأة ، أعني بين الزوجين المخوف شقاق بينهما ، يقول : يوفق الله بين الحكمين ، فيتفقا على الإصلاح بينهما ، وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه من بعث للنظر في أمر الزوجين . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ،